السيد محمد تقي المدرسي

358

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

ومعروفة واقعة التحكيم في حرب الصفين ، حيث رفض الامام أمير المؤمنين التحكيم أولًا ، ثم قبله بعد اصرار الناس عليه . كما رفض الحاكم المعيَن من قبل الناس اولًا ، ثم قبله . وكل ذلك يهدينا إلى أن ظروف الحرب ومتغيراتها تتحكم كثيراً في قراراتها . بلى ؛ ينبغي ان نضع الثوابت من الاحكام التي يجب التقيد بها قدر المستطاع ، اما عند الضرورة فالأمر مختلف . ولعله لذلك كانت وصية النبي صلى الله عليه وآله لأمراء السرايا ان ينزل العدو على حكمه ، لا على حكم الله . فقد جاء في الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا بعث أميراً له على سرية ، أمره بتقوى الله عز وجل في خاصة نفسه ثم في أصحابه عامّة . ثم يقول : اغز بسم الله وفي سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً ولا متبتّلًا في شاهق ، ولا تحرقوا النخل ، ولا تغرقوه بالماء ، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تحرقوا زرعاً لأنّكم لا تدرون لعلّكم تحتاجون إليه ، ولا تعقروا من البهائم يؤكل لحمه إلّا ما لابد لكم من أكله . وإذا لقيتم عدوا للمسلمين فادعوهم إلى إحدى ثلاث ، فان هم اجابوكم إليها فاقبلوامنهم وكفوا عنهم : وادعوهم إلى الاسلام فإن دخلوا فيه فاقبلوا منهم وكفّوا عنهم ، وادعوهم إلى الهجرة بعد الاسلام فان فعلوا فاقبلوا منهم وكفوا عنهم ، وإن أبوا ان يهاجروا واختاروا ديارهم وأبوا ان يدخلوا في دار الهجرة كانوا بمنزلة اعراب المؤمنين يجرى عليهم ما يجري على اعراب المؤمنين ، ولا يجري لهم في الفئ ولا في القسمة شيئاً إلّا ان يهاجروا في سبيل الله . فان أبوا هاتين فادعوهم إلى إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون ، فان أعطوا الجزية فاقبل منهم وكف عنهم ، وإن أبوا فاستعن بالله عز وجل عليهم وجاهدهم في الله حق جهاده . وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك على أن ينزلوا على حكم الله عز وجل فلا تنزل بهم ، ولكن انزلهم على حكمكم ثم اقض فيهم بعد ما شئتم . فإنكم إن أنزلتموهم على حكم الله لم تدروا تصيبوا حكم الله فيهم أم لا . وإذا حاصرتم أهل حصن فان آذنوك على أن تنزلهم على ذمّة الله وذمة رسوله فلا تنزلهم ، ولكن انزلهم على ذممكم وذمم آبائكم واخوانكم ، فإنكم ان تخفروا ذممكم وذمم آبائكم واخوانكم كان أيسر عليكم يوم القيامة من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله صلى